ماهي التداولية
تعد اللسانيات التداولية ملتقى يجمع العديد من البحوث الفلسفية واللسانية اللتي تشترك جميعا في مبدأ أن اللغة تعرف أثناء الاستعمال وهي علم تواصلي جديد يعالج كثيرا من ظواهر اللغة ويفسرها ويساهم في حل مشاكل التواصل ومعوقاته.
استطاعت أن تتخذ لنفسها طريقا بوصفها تخصصا لسانيا له موضوع خاص مستقل يدرس كيفية استخدام الناس للغة في صلب خطاباتهم، حيث تبحث التداولية في الأقوال والعلاقات بين المتخاطبين في سياق محدد وتتعدى حدود البنية اللغوية إلى دراسة العناصر الذاتية في الخطاب، وتحاول إعطاء تفسيرات دقيقة حول كيفيات إنتاج القول وتفسير مقاصده وغاياته .
فالتداولية " لا تعد علما لغويا محضا، بالمعنى التقليدي ولا علما يكتفي بوصف وتفسير البنى اللغوية ويتوقف عند حدودها وأشكالها الظاهرة ،ولكنها علم جديد للتواصل يدرس ظاهرة التواصل اللغوي وتفسيرا" [1] آخذة بعين الاعتبار المتكلم والمخاطب والسياق وشروط التخاطب والهدف من الخطاب مما يسمح بتوسيع النظر في قضية اللغة نحو مزيد من الفهم لكيفيات الإنشاء والتأويل على حد سواء واهتمامها لا ينصب فقط على المتكلم انطلاقا من سياق الملفوظات، لكنها تهتم أيضا بالخطاب لكونه إنتاجا لغويا ينظر إليه في علاقاته بظروفه المقامية والسياقية، أي أن الخطاب تدخل فيه عناصر من العالم غير اللغوي وبالتالي فالمنهج التداولي يعطي محلل الخطاب بعض الأسس والآليات التي تمكن من تحقيق دراسة وافية للخطاب بنظرة مقامية خارجية، فهو خطوة ضرورية لاستكمال أي دراسة أو تحليل لغوي .
فاهتمام التداولية بزوايا الخطاب المختلفة مكنها من تحديد جوانب تمكن المتكلم من تحقيق الفهم والإفهام، وتحقيق ما يصبو إليه، كونها تتجاوز وظيفة نقل الخبر أو وصف الواقع ، ومن أهم هذه الجوانب نذكر : الإشاريات ، أفعال الكلام، الاستلزام الحواري، و نظرية الحجاج، الافتراض المسبق، و كلها تبحث في كيفية فهم النص الخطابي ، و تأويله وصولا إلى قصد المتكلم عبر وسائل لسانية تداولية.
الافتراض المسبق
" نعتبر ما هو من قبيل الافتراضات، كل المعلومات التي لا تكون مطروحة بانفتاح، مع ذلك فهي واردة بصورة آلية في صياغة الملفوظ / القول الذي تتواجد فيه مهما كانت خصوصية الإطار الملفوظي[2]" فالافتراضات المسبقة لا يصرح بها المتكلم ، وهي تشكل خلفية التبليغ الضرورية .
و هو من أبرز مفاهيم التداولية ، وله أهمية في كل تواصل لساني يعتمد على افتراضات و معطيات معترف بها، لإنجاح عملية التواصل . فالمتخاطبون يبنون خطاباتهم عليها ، وقد تكون تلك المعلومات المشتركة بين كل من المخاطب والمخاطب معروفة لديهما سابقا وبحسب أوزفالد ديكرو
" فالافتراض جزء لا يتجزأ من معنى الجملة إذ لا أحد يمكن أ ن يتكلم دون أن يكون بكلامه افتراضا إلى درجة أن الافتراض يشكل الفعل الأساسي للكلام [3]"
ومن هنا يتضح أنه على المتكلم أن يؤسس حديثه وتواصله مع المتلقي على أساس المعلومة السابقة المشتركة بينهما، بمعنى أن يوجه المتكلم حديثه إلى السامع على أساس ما يفتر ض سلفا أنه معلوم له، فالافتراض المسبق إذن هو " ما لم يصرح به المتكلم بالألفاظ، بل ما يؤخذ به ضمنا حينما يعبر عن أمر ما"
[4] أي أنه يستنبط من خلال الإلمام بالسياق اللغوي العام للقول أو الخطاب فهو بذلك يكوّن المعنى المفترض موضوعيا لأنه يحيل إلى الخلفية المشتركة بين أطراف العملية التواصلية. فمثلا إذا خاطب المتكلم المتلقي، ووجه له أمرا على أساس ما يفترضه سابقا ، كقوله : أغلق النافذة ، لا تغلق النافذة . " ففي الملفوظين كلاهما خلفية افتراض مسبق مفهومها أن النافذة مفتوحة ، وكل هذا موصول بسياق الحال وعلاقة المتكلم بالمخاطب" [5]
ومثاله في القرآن الكريم كما يفسره الشيخ الشعراوي قوله تعالى: ) قالت إحداهما، یا أبت استأجره إن خیر من استأجرت القوي الأمین ( تضمن قولها أنها رأت منه قوة كبيرة وصفته بها أمام والدها، وطلبت استأجاره، وأنه أمين لما رأت من سلوكه، وكشف قولها عن إعجابها بهاتين الخصلتين فيه[6]
إذن فعند أي عملية تواصلية ، ينطلق الأطراف المتخاطبون من معطيات أساسية وافتراضات معترف بها ومتفق عليها بينهم ، وهذه المعطيات تمثل الافتراضات المسبقة ، وهي افتراضات لا يصرح بها المتكلمون ، وتشكل الخلفية التواصلية الضرورية لتحقيق النجاح في عملية التواصل، وهي دائما محتواة في القول سواء تلفظ بهذا القول إثباتا أو نفيا.
يمكننا القول أن الافتراض المسبق يلعب دورا مهما في عملية التواصل، فنجاحها يتعلق بوجود خلفية مشتركة من الافتراضات المسبقة، في حين الاستغناء عن هذه الافتراضات المسبقة الضرورية لعملية التبليغ فإنه يؤدي إلى سوء التفاهم .
تصنف في خانة الافتراضات كل المعلومات التي و إن لم تكن مقررة جهرا أي تلك التي لا تشكل مبدئيا موضوع الخطاب الكلامي الحقيقي الواجب نقله، إلا أنها تنتج تلقائيا من صياغة القول التي تكون مدونة فيه بشكل جوهري بغض النظر عن خصوصية النطاق التعبيري الأدائي . ومن شروط الافتراض الصحة بالضرورة و إلا فقد القول أية قيمة له، مثاله :
أقلع زيد عن التدخين لكن زيد ا ليس مدخنا ، فكيف يقلع عن التدخين ، فظهر أن في هذا القول مغالطة و بالتالي نشأ هذا التحديد عند Frege فريجة وStrawson
ستراوسن الذي مفاده : إنه وحدة من وحدات المحتوى التي ينبغي أن تكون صحيحة بالضرورة كي يكتسب القول الذي ينطوي عليها إحدى قيم الحقيقة، وحقيقة الافتراضات أنها تشكل نوعا من التهيئة لمتابعة تبادل الكلام و إلا انقطع .
أنواع الافتراض المسبق
يرى الباحثون منذ وقت مبكر ضرورة التمييز بين نوعين من الافتراض السابق الدلالي والتداولي.
الافتراض المسبق الدلالي :
يستلزم أن يكون "مشروط بالصدق بين قضيتين فإذا كانت أ صادقة كان من اللازم أن تكون ب صادقة فإذا قلنا مثلا:
إن المرأة التي تزوجها زيد كانت أرملة
. وكان هذا القول صادقا أي مطابقا للواقع لزم أن يكون القول زيد تزوج امرأة صادقا أيضا، إذ أنه مفترض سلفا"[7]
يبنى هذا الافتراض على معيار الصدق أو الكذب عند استعمال العبارات فإذا طابقت الواقع صدق قائلها وإذا عارضته أو اختلفت معه قيل عنه كاذب.
الافتراض المسبق التداولي:
أما الافتراض المسبق التداولي فلا دخل له بالصد ق أو الكذب فالقضية الأساسية يمكن أن تُنفى دون أن تُؤثر في الافتراض السابق . فإذا قلت مثلا سيارتي جديدة ثمّ قلت سيارتي ليست جديدة فعلى الرغم من التناقض في القولين فالافتراض السابق وهو أن لك سيارة لازال قائما في الحالتين[8]. ومنه فالافتراض المسبق لا يتأثر بأداة النفي.
خصائص الافتراض المسبق :
من خصائص الافتراض المسبق أن يكون بمثابة عقد مبرم بين طرفي التواصل، فينشئ المتكلم خطابا على أساس أن السامع له معرفة ببعض معطيات الخطاب لضمان نجاح العملية التواصلية، ويجب أ ن تتطابق المحتويات المصوغة على شكل افتراضات مع حقائق معروفة سلفا ومقبولة من قبل المتلقي للخطاب، و تكون محتويات الافتراض مسلم بها، ولا يسعها أن تكون موضوع نزاع أو خلاف بين المتخاطبين، وأن تكون المعلومات المفترضة ذات مستويات مختلفة لأن الخلفية الذهنية لكل فرد تنشأ من خلال المحيط الذي ترعرع فيه وكذلك مستواه العلمي والثقافي .
وتكمن أهمية الافتراضات المسبقة بالنسبة للخطاب في أنها:
[9]
تشكل بالنسبة للخطاب نوعا من أنواع قواعد البناء التي تبنى عليها المحتويات المقررة.
تؤمن بفضل الغطاء الافتراضي تماسك الخطاب وإطنابه الداخليين، في حين تتكفل المحتويات المقررة بتدرجه
تكون على مستوى تفاعلي أوسع، نوعا من "اللحمة" الاجتماعية، أي في منطقة من التوافق بين المتكلمين المتفاعلين
وفي الأخير نخلص إلى نتيجة مفادها أن الافتراض المسبق كفعل إنجازي يلعب دورا أساسيا في مجال تحديد العلاقات بين المتخاطبين ، وتحديد الإطار العام الذي يجري فيه الخطاب ، كما أنه يتحكم في الفعل التأثيري لدى المتلقي، وفي الأسلوب الذي يستعمله المتكلم.
المراجع
[1] مسعود صحراوي، التداولیة عن د العلماء العرب، دراسة تداولیة لظاهرة الأفعال الكلامیة في التراث اللساني العربي، دار الطلیعة، بیرو ت / لبنان، ط 1 ، 2005 ص 1
[2] نور الدیر الخیار ، الخطا ب القصصي القرآني دراسة أسلوبیة تداولیة . ،قصة یوسف علیه السلام أنموذجا
، رسالة ماجستیر ، جامعة الجزائر، .2004/2003 ص 264 .
[3] هشام صویلح، الافترا ض المسبق في الدرس التداولي أنماطه وتطبیقاته. مجلة المقال، جامعة باجي مختار،
عنابة، الجزائر، ع 06 ، فبرایر 2018 ، ص 141
[4] شفیقة العلوي، محاضرات في المدارس اللسانیة المعاصرة. أبحا ث للترجمة والنشر والتوزیع، بیروت، لبنان،
ط 1 2004، ص 86
[5] محمود أحمد نحلة، آفاق جدیدة في البحث اللغوي المعاصر. دار المعرفة الجامعیة، ط 1 ، 2002 ، ص 2 .
[6] مریم مزایتي، التداولیة نشأة المفاهیم والتصورات. مجلة إشكالات في اللغة والأدب، ع الثامن، دجنبر 2015 ص 276.
[7] محمود أحمد نحلة، آفاق جدیدة في البحث اللغوي المعاصر، ص 28 .
[8] محمود أحمد نحلة، آفاق جدیدة في البحث اللغوي المعاصر، ص 27 .
[9] هشام صویلح،
الافترا ض المسبق في الدرس التداولي أنماطه وتطبیقاته. ص
143 .
تعليقات
إرسال تعليق
مرحبا بتعليقك