القائمة الرئيسية

الصفحات

مفهوم العلامة اللسانية وطبيعتها

 

تعد العلامة اللسانية من أهم المفاهيم التي يختص بها الحقل اللساني والسيميائي الحديث، ونظرا لهذه الأهمية سنتعرض لمفهوم العلامة اللغوية  وطبيعتها وأهم من تحدثوا عنها في ثنايا هذا المقال.

 


إن العلامة اللسانية في مفهومها العام تتضمن فكرتين أساسيتين، و هما فكرة الشيء الممثل و الشيء الممثل له، أو شيء حاضر دال على شيء غائب يتم استحضاره عن طريق التمثلات الذهنية.

واللغة باعتبارها مجموعة من العلامات والرموز، فهي الأصوات التي يُحدثها جهاز النطق الإنساني وتدركها الأذن، هذه الأصوات تؤلف الدلالة على المعاني بطرق اصطلاحية، فاللغة بهذا الاعتبار تشترك مع نظم أخرى عديدة تتكون أيضا من علامات اصطلاحية تفيد دلالات اصطلاحية.

وتكون هذه العلامات اللغوية  )سمعية( إن خاطبت الأذن، و)بصرية( إن خاطبت العين، و)لمسية( إن خاطبت اليد العلامة اللسانية أنواع متعددة منها ما هو طبيعي كدلالة الدخان على وجود النار، وعلامات صناعية كعلامات المرور.

ويعتبر تاريخ المجتمعات الإنسانية حافلا بالأنظمة العلامية، وبما أن العلامات اللسانية تشترك مع العلامات الأخرى في طبيعتها الاصطلاحية فإنها تعتبر جزءا من علم العلامات أو السيميولوجيا كما سماه دو سوسير.و هكذا فالعلامة ليست مفهوما لسانيا فحسب، بل هي موضوع سيميائي .

والسيميائيات هي العلم الذي يهتم بدراسة العلامات اللسانية و غير اللسانية . وتشكل العلامات أو )الإشارات( جوهر إبداع الإنسان ومحاولته الأرقى للتعبير الثقافي عن تجليات عقله، لأنها جعلته يكسر قيود الوجود إلى أفاق أوسع عن طريق إبداع أشكال تعبيرية ورمزية، تعينه على الكشف عما بداخله، كما أن العلامة تعتبر الخطوة الأولى لبدء التاريخ، فاللغة هي التي بادرت إلى أنسنة التاريخ عندما تمكنت من تدوينه وتوثيقه. وانطلاقا من دور العلامات استطاع الإنسان أن يشكل نسيجا متداخلا من العلاقات مع محيطه، جعلته يتفاعل مع أخيه الإنسان ومع الطبيعة في المواقف المختلفة معتمدا في ذلك على أنظمة من العلامات.

 

ترادِف كلمة علامة المصطلح الفرنسي Signe ، و هو المصطلح الذي استعمله دو سوسير . و يثير هذا المصطلح اختلافا بينا في نصوص اللسانيين العرب المحدثين ك )العلامة، و السمة، و الدليل، و الإشارة ( لكنها تستعمل للدلالة على نفس المعنى، كما أن اللغويين الأمريكيين والأنجلوساكسونيين يستعملون مصطلح (Symbole) الذي يقابل في اللغة العربية مصطلح الرمز، لكن هناك فرق بين العلامة و الرمز، فرغم اشتراكهما في أنهما ينقلان دلالات و أفكار إلى الذهن " إلا أن العلاقة بين العلامة و ما تشير إليه، أو بين الدال و المدلول علاقة اعتباطية اختيارية. أما العلاقة بين الرمز و ما يرمز إليه فعلاقة سببية منطقية، حيث يدل الرمز بذاته على ما يدل عليه، فالرموز علامات معللة فنحن نقول الهلال رمز للإسلام لوجود ارتباط سببي بين الإسلام بأركانه الصلاة و الحج و الصوم بالهلال، أو الصليب رمز للمسيحية لأنه يتضمن ارتباطا سببي ا يتمثل في صلب المسيح عليه السلام ... كما أن الرموز تحمل دلالات واحدة في كثير من المجتمعات عكس العلامات التي تختلف من مجتمع إلى آخر"[1]

 

العلامة اللسانية كما يراها فرديناند دو سوسير، هي ذلك المجموع الناتج عن اتحاد الدال و المدلول، أو اللفظ الذي يتكون من الشكل الصوتي الذي نشير به إلى المعنى، أي أنها التآلف بين الصورة الصوتية و التي هي الدال Signifiant و المحتوى الدلالي و هو المدلول Signifié .

وعرف تودوروف العلامة اللسانية بقوله: " نعرف العلامة بأنها كيان يتميز بأنه يمكن أن يصير محسوسا، و يشكل غيابا في ذاته بالنسبة لزمرة من المستعملين. ومنذ دو سوسير يطلق على القسم من العلامة الذي يمكن أن يصير محسوسا اسم الدال، و على القسم الغائب المدلول، و تسمى العلاقة التي تربط بينهما دلالة

Signification  "[2]

إن ما يجعل العلامة اللسانية مختلفة و مميزة عن باقي العلامات، هو كونها تقوم على الصوت فالمكون الصوتي يحررها من الارتباط المباشر بالعالم المادي أو المحسوسات، فالعلامة اللسانية تحيل على معنى الشيء وليس على الشيء نفسه، وتقوم بدور الوسيط بين الإنسان و العالم الخارجي.

 

تمثل العلامة اللسانية مفهوما أساسيا لكل علوم اللغة، لكن بسبب هذه الأهمية نفسها، فهي من المفاهيم التي يصعب تعريفها، و تزداد هذه الصعوبة بسبب محاولتنا في النظريات الحديثة للعلامة، الأخذ بعين الاعتبار العلامات غير اللفظية بالتساوي مع الكيانات اللسانية.[3]

سرعان ما أدرك دوسوسير أن العلامة اللسانية لا تمثل إلا مظهرا بسيطا من مظاهر التواصل الإنساني، لهذا كان لازما التنويه بضرورة نشأة علم جديد يدرس حياة العلامات في المجتمع الإنساني، و أطلق عليه اسم سيميولوجيا، ولقد ساقت هذه الإشارة العلمية فيما بعد جهودا كثيرة اتسمت بتعدد التوجهات والتصورات حول العلامة اللسانية، لذا لا بد من التطرق قبل كل شيء لمفهوم العلامة عند دوسوسير بوصفه " العقل المبدع الذي ظفر عن استحقاق برسم معالم الطريق الإبستمولوجي الخصيب الذي سار فيه علم اللغة الحديث، بالشكل الذي احتفظ له بموقع الريادة و المبادأة بين مختلف الفروع الإنسانية "[4] وخرج بالدرس اللغوي من حصار الميتافيزيقا التاريخية إلى رحاب المعرفة السيميولوجية الحية، المقيدة بقيود الزمان والمكان، ومهد الطريق للدارسين بعده لإرشادهم إلى كيفية تحديد موضوع هذا العلم، بعد ما قام في هذا الشأن بالتفريق بين اللغة والكلام .


لتفاصيل أكثر حول نظرة دوسوسير للعلامة اللسانية تفضل بالاطلاع على مفهوم العلامة اللسانية ومكوناتها عند فيردناند دوسوسير   



[1]  زكي حسام الدين، أصول تراثية في اللسانيات الحديثة. 2001 مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثالثة ص 82

[2] Oswald Ducrot_Tzvetan Todorov, Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage. 1972, Paris : ed du seuil, p 132

[3]  نفسه ص 13

[4]  جوناثان كللر، فردينان دوسوسير. تأصيل علم اللغة الحديث وعلم العلامات. تر محمود حمدي عبد الغني، 2000 المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة. ص 7 .

تعليقات

المحتويات