القائمة الرئيسية

الصفحات

 

    


  يعتبر الحديث عن الخطاب أو الخطابات من الأحاديث المهمة ، لأن تناول مفاهيمه يساعد على بناء التصور الأمثل لطبيعة التواصل البشري و محاصرة الكم الأوفى من خصائصه و قوانينه التي هي دأب كل باحث في هذا العصر ، و من هذا المنظور تتوجه كل الأبحاث إلى محاولة الإلمام بما توفر من مدونات خطابية، حتى أصبح الخطاب خطابات، و صار بالإمكان أن نسمي كل ما يدخل في إطار التواصل البشري نوعا من أنواع الخطابات ، سواء كان ذلك أصواتا ملفوظة أو إشارات أو كتابات أو رسوما أو صورا ،غير أن أي مقاربة إجرائية من قبل المحللين تحدث آليات معينة تتشاكل في بعض ، و تتباين في البعض الآخر، بحسب متطلبات المدونة الخطابية .


إن وجود الخطاب ضمن المنظومة التواصلية ، يخضع لتشريح إنساني في فهم معانيه و مقاصده ، والآليات التي حصل بها المفهوم و المقصود ، هي الآليات التي تندرج ضمن ما يسمى بتحليل الخطاب ، و بطبيعة الحال التحليل ليس نفسه دائما في جميع الخطابات ، بل الأكثر من ذلك ، التحليل ليس نفسه حتى في جنس الخطاب نفسه.

ونظرا لكون الدارسين المعاصرين اهتموا بتحليل شتى أشكال الخطابات، أصبح لزاما عليهم الاستعانة بالعلوم الإنسانية لتمدهم بالآليات الإجرائية للدراسة، ومنه نشأت مقاربات التحليل: النفسية، الاجتماعية، الأنثروبولوجية، التواصلية، الفلسفية، البلاغية.

 

الخطاب وتحليل الخطاب

و للولوج إلى الأبعاد التي هي من حدود الخطاب ، لابد أولا أن نمر عبر مفهوم الخطاب حتى تتضح لنا الصورة أكثر.

 

أ- لغة:

 

في المعجم الوسيط )خاطبه( مخاطبة، و خطابا، كلمه وحادثه، وخاطبه : وجه إليه كلاما، والخطاب الكلام[1]

و يقول: ابن منظور"الخطاب و المخاطبة مراجعة الكلام وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا، وهما يتخاطبان، والخطبة مصدر الخطيب، و خطب الخاطب على المنبر، واختطب يخطب خطابة، واسم الكلام الخطبة...... و ذهب أبو اسحاق إلى أنّ الخطبة عندالعرب: الكلام المنثور المسجع "[2]

 

و ذهب التهانوي إلى أن الخطاب هو " اللفظ المتواضع عليه، المقصود به إفهام من هو متهيء لفهمه، فاحترز باللفظ عن الحركة و الإشارات المفهمة بالمواضعة، وبالمتواضع عليه من الأقوال المهملة، وبالمقصود به الإفهام عن كلام لم يقصد به إفهام المستمع، فإنه لا يسمى خطابا، وبقوله لمن هو متهيء لفهمه عن  الخطاب لمن لا يفهم، والكلام يطلق على العبارة الدالة بالوضع على مدلولها القائم بالنفس، فالخطاب إما الكلام اللفظي، أو الكلام النفسي الموجه به نحو الغير للإفهام"[3]

 

وفي معجم المصطلحات العربية الخطاب الرسالة، نص مكتوب ينقل من مرسل إلى مرسل إليه، يتضمن عادة أنباء لا تخص سواهما، ثم انتقل مفهوم الرّسالة من مجرد كتابات شخصية إلى جنس أدبي قريب من المقال في الآداب الغربيةسواء أكتب نظما أو نثرا- أو من المقامة في الأدب العربي [4]

 

وأما في المعاجم الأجنبية فإن الخطاب "مصطلح ألسني حديث يعني في الفرنسية Discourse ،و في الإنجليزية Discourse ،وتعني حديث، محاضرة خطاب، خاطب، حادث ، حاضر، ألقى محاضرة."[5]

 

ب - اصطلاحا:

 

يعد مصطلح الخطاب Discours من المصطلحات التّي أفرزتها الدّراسات اللّسانية الحديثة، حيث شهد تداولا كبيرا في مجالات مختلفة.

وقد ظهر مصطلح الخطاب في حقل الدّراسات اللّغوية في الغرب ولا سيما بعد ظهور كتاب "فردنان دي سوسور"" F.Désaussure ""محاضرات في اللّسانيات العامة" ومن  المبادئ الأساسية التي جاء بها و أهمها: تفريقه بين الدال و المدلول، واللّغة كظاهرة اجتماعية، والكلام كظاهرة فردية و بلورته لمفهوم "نسق"أو "نظام"الذّي تطور فيما بعد إلى بنية.

 

  تأتي لفظة الخطاب غالبا مقترنة بوصف آخر، كأن نقول مثلا الخطاب الثّقافي والخطاب السّياسي، والاجتماعي، التّاريخي وغيرها.

لذلك ورد الخطاب بتعريفات متنوعة في هذه الميادين العديدة، بوصفه فعلا، يجمع بين القول و العمل، وهذا من سماته الأصلية.

والخطاب هو "رسالة موجهة من المنشئ إلى الملتقي تستخدم فيها الشفرة اللّغوية المشتركة بينهما، ويقتضي ذلك أن يكون كلاهما على علم بمجموع الأنماط والعلاقات الصوتية والصرفية والنّحوية و الدّلالية التّي تكون نظام اللّغة، أي (الشّفرة(  المشتركة وهذا النّظام يلبي متطلبات عملية الاتصال بين أفراد الجماعة اللّغوية، و تتشكل علاقاته من خلال ممارستهم كافة ألوان النشاط الفردي و الاجتماعي في حياتهم[6]."

 

 و كما يقول "جيرار جنيت" Gérard Genette " أن الخطاب هو مجموعة العناصر اللّغوية التّي يستعملها السارد موردا أحداث قصّته"[7]. معنى هذا   أنّ الخطاب هو مجموعة من الكلمات و الألفاظ و الجمل التي تكون متسلسلة لكي تؤدي رسالة بواسطة اللّغة، ويشترط أن تكون هذه  اللّغة المستعملة يفهمها المرسل و المرسل إليه.

أما فوكو فيعرف الخطاب على أنّه "شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية  والسياسية و الثقافية التي تبرز فيها الكيفية التي ينتج فيها الكلام كخطاب ينطوي على الهيمنة و المخاطر في الوقت نفسه[8] " فإنتاج الخطاب في مجتمع ما هو في الوقت نفسه إنتاج مراقب أو منظم  .

والخطاب حسب العديد من الأدباء والمؤلفين هو اتصال لغوي بين المتكلم والمستمع وهو بذلك تجربة ديناميكية تساهم فيها أطراف متعددة عن طريق التفاعل من أجل تحديد الأدوار.

ومن ثم نقول أن الخطاب رسالة يتم توجيهها من طرف المرسل إلى طرف أخر وهو المستقبل، والهدف منها هو إيصال أو توضيح أو شرح نقطة معينة أو موضوع ما، ويكون على شكل الاتصال الشفوي المباشر من خلال الكلام الذي يتضمن مجموعة من العبارات والأقوال والتي من خلالها يكون بإمكان المستقبل مناقشة المرسل بشكل مباشر لتبادل الأفكار مع بعضهما البعض أوقد يكون مكتوب وفي هذه الحالة لا يقتضي التفاعل المباشر بين المخاطب والمتلقي نتيجة لاختلاف مصادر الخطاب ومواضيعه واختلاف نوعية الفئات التي يوجه إليها الخطاب.

تحليل الخطاب

إن تحليل الخطاب هو مجال واسع موضوعه الخطاب ومنهجه الإجرائي التحليل، و تحليل الخطاب هو  تفكيك ظاهرة لغوية إلى عناصرها الأولية التي تتألف منها تلك الخطابات، وتتنوع طرق التحليل بتنوع أشكال الخطابات، فبما أن الخطاب خطابات فالتحليل تحليلات.

وقد استخدم هذا المصطلح بتوسع في تحليل النصوص الأدبية وغير الأدبية، وهو في الغالب يستخدم للإشارة إلى شيء سفسطائي نظري بطرق غير واضحة ومشوشة في بعض الأحيان.

و من هذا المنطلق " نفهم مصطلح تحليل الخطاب بوصفه عنوانا شاملا ، فهو منظومة متسقة من الإجراءات المنهجية ، يمكن إرجاع جذوره إلى ازدهار اتجاهين كبيرين هما الاتجاه اللغوي في تحليل النصوص إذ بدأ الاهتمام ببحث علاقات النص على مستوى داخلي يتجاوز الجملة الواحدة ، و قد مارسه النقاد اللغويون الأمريكيون في الدرجة الأولى ، و الاتجاه البنيوي الذي تمثل في تحليلات المدرسة الفلكلورية الروسية بعد (بروب)... ذلك فضلا عن استثمار إمكانيات التحليل السيميولوجي [9]"إلى غيرها من المناهج النقدية المعاصرة .

  إن تحليل الخطاب يرتكز على التواجد الطبيعي للغة المقروءة كما نجد في الخطاب مثل: المحادثات، المقابلات، التعليمات. والخطاب هو مصطلح جامع ذو استعمالات عديدة يشتمل على مجالات واسعة مثلا: تداولية، سيميائية، إجتماعية، نفسية، أسلوبية ويسعى إلى تحليل وفك شفرة الخطاب من أجل فهمه على اختلاف أنواعه أدبي، شعري ، نثري سياسي، إشهاري ، اجتماعي، نفسي، تعليمي ، علمي ... الخ.

 

  ظهر اصطلاح "تحليل الخطاب" ظهورا قويا في مجال البحث اللساني تبعا لرغبة ثلة من اللسانيين في تجاوز مفهوم الجملة، باعتبارها الوحدة اللسانية الكبرى القابلة للوصف والتحليل، إلى وحدات أكبر؛ من قبيل: الملفوظ والنص والخطاب

وبذلك انفتحت اللسانيات على حقول معرفية متعددة، واستفادت من آلياتها وأدوات تحليلها، من قبيل: النقد الأدبي وعلم النفس وعلم الاجتماع... وأصبح من نتائج ذلك ظهور لسانيات النص، واللسانيات النفسية، واللسانيات القانونية... ورغم ذلك فإن تحليل الخطاب يتجاوز الشرح والتفسير والتحليل ويتجاوز ذلك إلى الاهتمام بمواقع المتكلمين الاجتماعية وخصائصهم التلفظية التي تمنح خطابهم هوية تلفظية خاصة.

و يرصد أي تحليل للخطاب مجريات اللغة ل" أن تحليل الخطاب بالضرورة تحليل للغة في الاستعمال. لذلك، لا يمكن أن نحصر في الوصف المجرد للأشكال اللغوية بعيدا عن الأغراض و الوظائف التي وضعت هذه الأشكال لتحقيقها بين الناس. وإذا كان بعض اللسانيين مهتمين بتحديد الخصائص الشكلية للغة، فإن محلل الخطاب ملزم بالبحث في ما تستعمل تلك اللغة من أجله[10] "        

ويخضع الخطاب لمجموعة من المعايير الاجتماعية والأخلاقية، تتكفل قوانين الخطاب بتبيانها، فالأفعال الكلامية كالأمر والوعد والنهي... لا يمكن لها أن تصدر دون الخضوع لمعايير حدّدتها الأخلاق والقيم الاجتماعية والثقافية والدينية. ولا يؤول الخطاب إلاّ بإدراجه في خطابات أخرى، فلكل نوع خطابي أسلوبه في التّكفل بتسيير مختلف العلاقات التّخاطبية. و إنّ تأويل أي خطاب من أي نوع كان، يقتضي ربطه أو مقابلته بخطابات لأنواع خطابية أخرى.[11]

 

علم النفس

 

كلمة علم النفس مشتقة من كلمة يونانية تتألف من مقطعين هما

 النفس : Psycho -

 وتعني النفس أو التنفس ثم تطور هذا المعنى ليشير إلى الحياة أو الروح، البشرية أو العقل.

Logy:

ويشير إلى الحديث أو الكلام أو الأقوال. ثم تطور هذا المعنى وأصبح يشير إلى البحث وأخيرا أصبح يفيد معنى المعرفة أو العلم أي البحث الذي له أصول علمية منهجية.

وعليه فإن مصطلح علم النفس قد استخدمه اليونانيون القدماء يشير إلى دراسة العقل أو الروح .

 

المعنى العلمي لمصطلح علم النفس .

 

- تعريف العلماء النفسانيين لعلم النفس :

 

-1 هو العلم الذي يدرس العمليات العقلية كالإدراك والتعلم والتذكر والتفكير وحل المشكلة والإبداع... الخ وذلك في حالاتها السوية (علم النفس العام(  وكذلك دراسة هذه العمليات ذاتها في أحوالها غير السوية  )علم النفس المرضى).

2_هو العلم الذي يدرس سلوك الكائنات العضوية ويتفق على هذا معظم علماء النفس [12]

 

ومن خلال هذه التعاريف فإن علم النفس هو ما يدرس الإنسان ككائن حي يرغب في أمور ويحس ويدرك وينفعل، يتعلم يتذكر ويتخيل ويؤثر ويتأثر في المجتمع الذي يعيش فيه.

 

علم اللغة النفسي.

 

يعد علم اللغة النفسي Psycholinguistiques  واحداً من أهم فروع علم اللغة التطبيقي الذي يهتم بدراسة اللغة واكتسابها واستعمالها وفهمه.  وقد بدأ الاهتمام به بشكل كبير - في أمريكا - في الخمسينات من القرن الماضي؛ عندما أفصح تشومسكي عن آرائه النقدية حول طبيعة اللغة ووظيفتها وأساليب اكتسابها ومنهج دراستها وتحليلها في كتابه المشهور: الأبنية النحوية وكذلك من خلال هجومه العنيف على البنيوية والبنيويين، والسلوكية والسلوكيين في علم النفس  - وخاصة عالم النفس السلوكي سكنر  Skinner - الذين يهتمون بظاهر اللغة لا بعمقها، ويفسرون اكتسابها تفسيراً آليا،ً ولا يهتم ون بالجانب الإبداعي الخلاق في اكتسابها واستعمالها.

 

و يهتم علم الللغة النفسي بآليات معالجة اللغة وكيفية تمثيلها في العقل والدماغ

و ب"إدراك ظواهر اللغة ونظرياتها وطرق اكتسابها وإنتاجها من الناحية النفسية مستخدما أحد مناهج علم النفس."[13]

أما موضوع علم اللغة النفسي هو اللغة نفسها، أي:  دراسة اللغة والبحث فيها وصفا وتحليلاً واكتساباً وتعلماً وتعليماً.  فموضوع علم اللغة النفسي - إذن - هو نفسه موضوع علم اللغة عند اللغويين المعرفيين الفطريين.[14]

    ويهدف علم اللغة النفسي إلى الإجابة عن السؤال التالي: كيف يكتسب الإنسان اللغة وكيف يستعملها؟ ويتفرع عن هذا السؤال أسئلة أخرى، يسعى علم اللغة النفسي إلى الإجابة عنها؛ مثل: كيف يفهم الإنسان الكلام وكيف ينتجه؟ وما وظيفة القواعد العقلية في العمليات التواصلية؟ وما الآليات العصبية التي تتحكم في ذلك؟ وما المشكلات التي تؤثر في اكتساب اللغة وفهمها واستعمالها؟[15]

لقد جعل علم اللغة النفسي من الظاهرة النفسية بكل أبعادها درسا له، واللغة جزء من هذه الظاهرة، فاللغة لها صلة مرتبطة مع العوالم الداخلية للنفس البشرية.  فهو ينظر إلى الحالات العضوية والنفسية لإنتاج الكلام وإدراكه والمواقف العاطفية والذهنية تجاه حدث معين.

 

علم النفس وتحليل الخطاب

 

يهتم علم النفس بكيفية اكتساب اللغة وتعلمها ودراسة السبل التي بها يتم التواصل البشري عن طريق هذه اللغة. فالتعبير النفسي لدى الإنسان يقوم على أساس نزعات نفسية تختلف من فرد إلى آخر، كما أن السلوك اللفظي يختلف باختلاف نظرة الأفراد للأشياء والمفاهيم، واستجابة الفرد تكون بالنسبة للمعاني التي يراها هو مناسبة لهذا المفهوم أو ذاك. ومن هنا ينشأ الاختلاف في السلوك اللفظي، لأن كل فرد يفكر فيما يراه هو حقيقة الأشياء والموضوعات. وبالرغم من أن هذه المعاني لا تعد في الواقع الحقيقة ذاتها، لأن المعنى الذي يراه الشخص قد يخالف واقعه. ومثال ذلك عبارة (الجو حار)، لا تعبر عن قراءة درجة الحرارة الراهنة كما هي بالفعل، أو كحقيقة علمية. ولما كانت هي حالة الفرد الذي يشعر بها هو ذاته بالنسبة لحرارة الجو فيعبر عنه بمعنى معين.[16]

من خلال علم النفس يمكننا دراسة العمليات العقلية التي تسبق إنتاج الخطاب، وتأثيره في المخاطبين. وذلك لأن أي إنتاج لغوي هو قبل كل شيء إنتاج نفس بشرية لها رغباتها و لها وعي، ولا وعي، ولها طريقتها في التفكير ومعالجة الأمور وتفسيرها .

نستطيع أيضا من خلال علم النفس تحليل الألفاظ وما تحمله من انفعالات، ذلك "لأن الكثير من ألفاظنا إنما هي مشحونة بمعاني نفسية انفعالية، تعكس خبرات الفرد الخاصة والجماعية، وهذا هو التمايز الدلالي للكلمات. وتدرس اللسانيات النفسية هنا أيضا اختلاف نسبة العاطفة بين الأشخاص وذلك عن طريق ملاحظة التعبيرات اللغوية لديهم. فمثلا التعبيرات التي هي تعاطف متدفق في مجتمع ريفي بسيط ربما تبدو أحيانا لإنسان المدينة المعقد نوعا من الجلافة.[17]

 

وهذا ما يسلم به التحليل النفسي حيث أن الخطاب ماهو إلا حالة قابلة للتحليل لأن كل خطاب ينبع عن سبب نفسي ويحتوي على مضمون ظاهر وأخر خاف مثله مثل الحلم أي أنه يعكس ما في نفس صاحبه، فمن خلال البحث النفسي  يمكن تفسير الخطابات وتأويلها، وتحليل الإشارات والدلالات الكامنة فيها، لمحاولة فهم الشخصية الإنسانية وأسرارها. فهو يسعى إلى استشراف الجوانب المكونة للخطاب من قضايا اللاشعور، والكبت والغرائز، والموضوعات النفسية الأخرى، ليترتب بذلك إعادة الخطاب إلى تكوينه النفسي.

 

    هناك تقاطع لعلم النص مع علم النفس وذلك على حسب رأي صلاح فضل من خلال أن "علم النفس يشرح طبيعة العمليات اللغوية واليات إنتاجها وتلقيها."[18]

 ويبرز هذا بشكل واضح في تحليل الخطاب الأدبي، فقد أقرت العلوم الإنسانية العلاقة المميزة القائمة بين الأدب وعلم النفس، وقد يكون من العسير الفصل بينهما، لأن " النفس تصنع الأدب، وكذلك يصنع الأدب النفس ]...[، والنفس التي تتلقى الحياة لتصنع الأدب هي النفس التي تتلقى الأدب لتصنع الحياة " إنها دائرة لا يفترق طرفاها إلا لكي يلتقيا، وهما حين يلتقيان يضعان حول الحياة إطار، فيصنعان لها بذلك معنى، والإنسان لا يعرف نفسه إلا حين يعرف للحياة معنى، وحقيقة هذه العلاقة ليست شيئا مستكشفا للإنسان الحديث، لأنها كانت قائمة منذ أن عرف الإنسان وسيلة التعبير عن نفسه"[19]

وأكد علماء النفس أهمية الإطلاع على القيم المختزنة لدى المبدعين، والتعرف على مكنونات أنفسهم، وعلى الطريقة التي يبدعون بها أعمالهم الأدبية، منطلقين من عدّ العمل الأدبي استجابة لمؤثرات خاصة.

ونهض التحليل النفسي بواجب "الاستكناه المعرفي بوصفه منهجا علميا يمتح من المعارف النفسية أدواته، ويسهم بدور كبير في نقل ما يدور في النص إلى قارئه؛ ويمتلك المحلل دقة الملاحظة الواعية للمعطيات النفسية الكامنة في النص، ويعمل على ربطها بقوانينها البحثية الناظمة لها في مرجعية خاصة"[20]

بواسطة علم النفس يمكننا سبر أغور اللاوعي، ساعين إلى اكتشاف أشياء  كثيرة خلف ذلك الخطاب، الذي هو  تعبير عن النفس وخفايا اللاشعور، و التحليل النفسي هو الوسيلة الناجعة لكشف أغوار النفس، وفك الرموز القابعة خلف الدلالات وتجلية غوامضها.

خاتمـــــــــــــــــــــــــــــــــة

 إن الخطاب بوصفه بنية كاشفة عن طبيعة النفس البشرية، وما تتسم به هذه البنية من وعي وإدراك وقدرة على التقمص والرغبة في تحقيق الذات، تحتم علينا استثمار معطيات علم النفس في تحليل الخطاب.

حيث ستمكننا هذه الإستراتيجية من التعرف على طبيعة الصورة الذهنية  التي ترسمها الذات لنفسها والآخرين وارتباط هذه الصورة بطبيعة النظام المعرفي والإدراكي للفرد، وما يترتب عليها من أحكام إيجابية وسلبية تمثل أساسا لتقييم الآخر والحكم على سلوكه.

المراجع


 

 [1]  المعجم الوسيط ،القاهرة، مطبعة مصر ج 1.1960 مادة خطب.

[2]  ابن منظور، لسان العرب، مادة )خ ط ب(

[3]  التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم. دار صادر بيروت لبنان، ج1، ص 403.

 [4]  مجدي وهبة، معجم المصطلحات العربية في اللّغة و الأدب ص 30

[5]  إلياس أنطوان إلياس،قاموس إلياس العصري،دار الجليل،بيروت 1972، ص 191.

[6]  هاجر مدقن،الخطاب الحجاجي أنواعه و خصائصه دراسة تطبيقية في )كتاب المساكين( ل:"الرافعي" مذكرة شهادة الماجستر، 2002. ص 10.

[7]  سمير المرزوقي و جميل شاكر،مدخل إلى نظرية القصة،الدّار التونسية  ص 11.

[8]  ميجان الرويلي. سعد البازعي، دليل النّاقد الأدبي،المركز الثقافي العربي الدار البيضاء ط3،2002 ص 155.

[9]  الأسلوبية في النقد العربي الحديث، فرحان بدري الحربي ، ص48

[10]  . ج.ب براون، ج يول - تحليل الخطاب، تر : محمد لطفي الزليطني و منير التريكي ، جامعة الملك سعود، الرياض، 1997 ، ص 1.

[12]  سامي محمد ملحم :أساسيات علم النفس، دار الفكر، الاردن،2009 ط1،ص 17.18.

[13] جلال شمس الدين، علم اللغة النفسي مناهجه ونظرياته وقضاياه. المؤسسة الثقافية الجامعية، الإسكندرية، ج1، 2003، ص10.

[14]  العصيلي عبد العزيز بن ابراهيم، علم اللغة النفسي، ، الطبعة الأولى، الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي، 2006ص 34.

[15]  نفسه ص 35.       

[16]  عزيز كعواش، علم اللغة النفسي بي الأدبيات اللسانية والدراسات النفسية. مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة محمد خيضر بسكرة . ع 7 يونيو 2010، ص2.3.

[17]  نفسه ص 16.

[18]  فضل صلاح : بلاغة الخطاب وعلم النص، الشركة المصرية العالمية للنشر، مصر، ط 1، 1996 ص 28.

[19]  عز الدين إسماعيل: التفسير النفسي للأدب، دار غريب، القاهرة، ط 4، ص5.

[20]  محمد عيسى: القراءة النفسية للنص الأدبي العربي، مجلة جامعة دمشق، المجلد 19، العدد 2-1، 2003، ص24.

 

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق

مرحبا بتعليقك

المحتويات