القائمة الرئيسية

الصفحات

الشعرية البلاغية عند عبد القاهر الجرجاني

 

مفهوم الشعرية

ظهرت الشعرية نتيجة للتطور الملحوظ الذي شهده النقد الأدبي، وتهتم الشعرية وهي من النظريات الأدبية الحديثة تهتم بالبحث عن القوانين التي تحكم النص الأدبي، وهي من المفاهيم الغامضة التي يصعب تحديدها، وقد حضت باهتمام كبير عند دارسي الأدب .

ويعرفها هنري ميشونيك على أنها " نظرية تعنى بالخصوصية الأدبية، والنظرية تعني البحث في المفاهيم التي يمحص بواسطتها اشتغال الأدب، إنها البحث اللانهائي في اللغة والأدب اللانهائيين بدورهما"[1]  أما جاكبسون فيرى أن الشعرية هي " ذلك الفرع من اللسانيات الذي يعالج الوظيفة الشعرية في علاقاتها مع الوظائف الأخرى للغة، وتهتم الشعرية بالمعنى الواسع للكلمة بالوظيفة الشعرية فحسب حين تهيمن هذه الوظيفة على الوظائف الأخرى للغة، وإنما يهتم بها خارج الشعر حين تعطى الأولوية لهذه الوظيفة أو تلك على حساب الوظيفة الشعرية "[2]

 


نستخلص مما سبق أن الشعرية تعني بشكل عام قوانين الإبداع الفني، وموضوع اشتغالها هو استقصاء القوانين التي استطاع المبدع التحكم بواسطتها في إنتاج نصه، وإبراز هويته الجمالية ومنحه الفرادة الأدبية، وتقوم على مبدأ بيان جمالية النصوص الإبداعية. وتعود الأصول الأولى للشعرية لليونان، مع أفلاطون وأرسطو، كما أنها حضيت باهتمام علماء البلاغة العرب، وخاصة عبد القاهر الجرجاني.

يعد عبد القاهر الجرجاني من أبرز النقاد والبلاغيين العرب، وتصوره للشعرية جاء بنتائج كبيرة ومطابقة للعديد مما توصلت إليه نظريات الشعرية الحديثة .

 

الشعرية البلاغية عند عبد القاهر الجرجاني

جدور الشعرية عند الجرجاني تظهر بشكل واضح من خلال نظريته في النظم، وتأكيده على جمالية النصوص التي لا تتأتى لمبدعها إلا من خلال إحكامه لنظمها، والذي يتشكل من عناصر متعددة تضمن له تألقه وجودته، فقد حدد عبد القاهر الجرجاني النظم باعتباره وسيلة للإعجاز القرآني وكان سبيله في ذلك التفريق بين الأسلوب القرآني عن غيره من الأساليب العربية الأخرى، وقد اختار الجرجاني أن يقابل لغة الشعر بلغة النثر، ليكشف خصائص اللغة المنظومة ومقارنتها بلغة القرآن الكريم، ومن هذا المنطلق كان تركيز الجرجاني منصبا على النواحي الجمالية للشعر، وبه كان يؤكد على شعرية الكلام وتأثيره الفاعل على المتلقي، فللشعر أسلوب متألق و راقي، يُبنى على صور جذابة وتراكيب لغوية مختلفة تجمع بينها علاقات تركيبية ذات خصوصية كبيرة ودقيقة تعكس جمالية العمل الأدبي، وقد أرسى الجرجاني نظريته في النظم و أدار عليها مباحث اللفظ والمعنى والصور البيانية .

بلاغة الخطاب بين اللفظ والمعنى

شغلت قضية اللفظ والمعنى النقاد قديما وحديثا وانقسموا بشأنها إلى فريقين: فريق ينتصر للفظ، وفريق ينتصر للمعنى، إضافة لفريق ثالث نادى بضرورة الجمع بينهما، ويأتي على رأسهم الإمام الجرجاني، والذي نادى بوجوب اتحاد اللفظ والمعنى. فالألفاظ في نظر الجرجاني لا يمكننا إدراك جماليتها إلا بالنظر لموقعها، وبالنظر لما يسبقها وما يتلوها ) داخل تركيب معين(، والمعنى لا يمكن إدراكه إلا داخل هذا النظم. وبما أن الخطابات عبارة عن نسيج لغوي متماسك فإن ثنائية اللفظ والمعنى تنصهر ليحل محلها حسن النظم، والقدرة على التعبير بأسلوب فني جميل، فقوام العملية الإبداعية عند الجرجاني ا رجع إلى حسن الصياغة الفنية القائمة أساسا على التلاؤم بين الألفاظ والمعاني.

وقد ميز الجرجاني بين المعنى والذي هو غرض، والمعنى الذي هو صورة. فالغرض هو البناء النحوي والمجازي، أما الصورة فهي المعنى الذي تحصل عليه بواسطة الهيئة اللغوية.

صفة الشعرية إذا لا تعود لجوهر المعاني أو مادتها، بل لتشكيلها المتميز الصوتي والدلالي، على جانب خيال المبدع ودوره الكبير في تشكيل الصور وصوغها، وبالتالي تأثيرها في المتلقي.

شعرية الصورة

درس الجرجاني الصورة الشعرية داخل إطار نظرية النظم ، وكان له فضل كبير في إرساء معالمها، وجعل منها عنصرا فعالا في الشعر والإبداع. وقد تناولها عن طريق مقتضيات النظم والتي اقرها في التشبيه والتمثيل والاستعارة والكناية، وقد عرفها محمد العمري بقوله " كل ما يترتب عن التشبيه والتمثيل والاستعارة والكناية،

مقروءة في ضوء اللسانيات الحديثة، وقد تعدو ذلك إلى أسباب الوصف والتشخيص"[3]، وقد أكد الجرجاني قيام الشعر على التصوير، وانه من الضروري توفر الشعر على صورة شعرية يمكن الحكم عليها بمقياس الجودة والرداءة حين قال "ومعلوم أن سبيل التصوير والصوغ فيه، كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار، فكما أنت محالا إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم وفي جودة العمل ورداءته، أن تنظر إلى الفظة الكاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه العمل وتلك الصنعة، كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر مجرد معناه"[4]

نفهم من هذا الكلام أن حكمنا بالجودة أو الرداءة على نص، لا يكون بالحكم على المعنى وحده، أو اللفظ وحده، وإنما على الصورة التي أُخرج بها هذا المعنى، والمعاني في نظر الجرجاني ضربان: " ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ذلك إذا قصدت أن تخبر عن زيد مثلا بالخروج على الحقيقة...وضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض، ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل"[5] ، وبالتالي فالصورة هي وسيلة من وسائل نقل المعنى بطرق مختلفة، من خلال التشبيه والاستعارة والكناية، هذا المعنى الذي هو في الأصل معنيين، معنى أول هي حقيقة اللفظ، والمعنى الثاني لا نتوصل إليه بدلالة اللفظ وحده.

وقد اعتمد الجرجاني الصورة كمعيار للحكم على فنية وأدبية النصوص، واتخذها مقياسا للمفاضلة بين الشعراء لما لها من قيمة تتجلى في الأثر النفسي الذي تتركه لدى السامع، والذي يؤدي به إلى الاقتناع والتفاعل مع النص بالتالي فهي لها وظيفة جمالية وحجاجيه أيضا، وهي نتاج تفاعل شديد التعقيد بين شخص الشاعر وعواطفه وأفكاره وتجاربه. ومتى كان الشاعر قادرا على مزج الواقع بالخيال كان أصيلا في شعره.

والخيال هو عنوان الصورة ولا يمكننا الحديث عن صورة شعرية دون ربطها بالخيال الشعري، فالصورة هي أداة الخيال ووسيلته للتعبير عن نفسه، وتتقوم بلاغة التشبيه والاستعارة والتمثيل في القدرة على التصوير والتجسيم أو التقديم الحسي للمعنى الذي يتدخل الخيال في توجهيه وعرضه.

تبنى الصورة الشعرية على كسر القانون اللغوي والغوص في عمق الدلالة باستحداث معنى إسنادي جديد يقوم على البعد والتنافر اللغويين، أي الجمع بين المتباعدات .

وتكمن شعرية الصورة في قدرتها على استثارة نوع من القبول المنطقي للتركيب للغوي بالرغم من أنها قد تؤسس على معاني بعيدة جدا عن شكلها التركيبي .

شعرية الغرابة

تتجلى الغرابة عند عبد القاهر الجرجاني في كونها فاعلة على مستوى المبدع والمتلقي، وهي ذات بعد إيجابي في ابتعاد الشعر عن المعاني المبتذلة والساذجة. والغرابة هي الأثر الذي يتركه الشعر في النفس، وهي ليست تعقيدا أو تلبيسا لكنها فاعلية فنية تدفع المتلقي إلى إعمال الفكر وتجره إلى التفسير والتأويل، وهي من عناصر الشعرية الأساسية التي تبعث على الإعجاب والاندهاش.

وقد رفض الإمام الجرجاني التعقيد والابتذال، لأنها حسب نظره لا تحقق الغرابة الفنية، التي هي عامل لجذب السامع وليس تنفيره. ويلح الجرجاني على قيمة الغرابة ضمن التمثيل، فهي تجدب انتباه المخاطب ومردها إلى كون المشبه به يكون ناذر الحضور في ذهن المتلقي عند ذكر المشبه، وقد استدل الجرجاني بقول ابن المعتز الذي يصف فيه زهر البنفسج قائلا :

 

ولا زوردية تزهو بزرقتها **** بين الرياض على حمر اليواقيت

كأنها فوق قامات ضعفن بها **** أوائل النار أطراف كبريت[6]

 

فالشاعر شبه زهرة البنفسج بأوائل النار في أطراف كبريت، وهنا لا وجود لمناسبة بين الطرفين لكن الشاعر استطاع الجمع بينهما فاكتسب التشبيه بعدا وغرابة، ومزية الغرابة في التمثيل . وهكذا تؤدي الغرابة حسب الجرجاني دورا جماليا وحجاجيا، من خلال التأثير في المتلقي واستمالة عواطفه، وبهذا يتحقق الإقناع والإمتاع .

شعرية الإنزياح

إن الانزياح هو تغير خاص يطرأ على البنية التركيبية ويستحدث دلالة جديدة وهو ما قرره الجرجاني عند حديثه عن الأسس التي يقوم عليها حسن وجودة النظم، هذه الجودة التي تُبنى على تغير المعاني الناتجة عن صياغة خاصة استنادا إلى الاتساع والمجاز، والانزياح حضر عند الجرجاني باسم العدول.

شعرية العدول

العدول هو الإجراءات النصية التي تجعل من الشعر شعرا، وتكمن شعرية العدول عند الجرجاني في الخروج عن الكلام المألوف والفعل الساذج اعتمادا على مكونات أسلوبية ودلالية أجملها في المجاز والكناية والاستعارة والتمثيل، وهناك نوعان من العدول: العدول التركيبي يجسده التركيب، والعدول الدلالي وهو الذي يبرز بصفة واضحة في فكرة المعنى، ومعنى المعنى لدى الجرجاني، ويتمثل أساسا في الخروج عن المعنى الأصلي للكلمة إلى معنى ثان يحدده السياق الذي استعملت فيه.

ورد استعمال مصطلح العدول بمعنى التوسع والاتساع والخروج عن الأنماط الكلامية والفنية المتداولة والمألوفة في الكلام ن والدخول في صراع وتحد مع قوالب لغوية جامدة، ومحاولة تشكيلها وفق نظام جديد مرن يتناسب مع قصد المبدع وغرضه وقدرته على تطوير اللغة وتكوين نسق جديد. وقد تناول الجرجاني في إطار دراسته للعدول )الحذف، التقديم، التأخير، التعريف، التنكير، الإلتفات، الغموض، المجاز، الإستعارة. (

11

شعرية التناص

بدأت فكرة الإمام عن التناص عندما تحدث عن أقسام المعاني، العقلية والتخييلية فقال: " واعلم أن الحكم على الشاعر بأنه أخذ من غيره وسرق واقتدى بمن تقدم وسبق، لا يخلو من أن يكون في المعنى صريحا، أو في صيغة تتعلق بالعبارة ويجب أن نتكلم أولا عن المعاني، وهي تنقسم إلى قسمين: عقلي وتخييلي"[7] فالمعنى العقلي هو ما اجمع عليه العلماء، أما المعنى التخييلي هو ما تعارف عليه الناس.

وقد أبرز الجرجاني فكرة الأخذ والعطاء، وأعطاها سمة القبول من باب أن المعاني تشترك فيها جميع العقول وتتداولها، فاستعمالها ليس بسرقة وإنما تبادل صفة العمومية والخصوصية، فهي ملكية لأي شخص. وهذا يقترب من مفهوم التناص بالمعنى الحديث والذي يُقصد به تفاعل النصوص فيما بينها وإفادة نص من نص آخر. يفرق الجرجاني بين السرقة والتناص، فقد يتشابه الشاعران في الغرض، أما أن يتشابها في إخراج المعنى فذاك محال.

12

شعرية الغموض

الغموض يميز اللغة الشعرية، ويشكل نمطا جماليا فعالا تكون فائدته كبيرة في تحقيق فعالية البناء الشعري من جهة، وزيادة نسبة الشعرية من جهة ثانية، فالغموض رديف للانزياح وعلى الشعر أن يتصف بالغموض ليخالف الكلام العادي، ولا يعد الكلام شعريا إلا إذا ارتفع عن الكلام العادي، ولما كان الخطاب الأدبي يمتاز بالغموض وتعدد الأبعاد فإنه يفتح أمام القارئ أفقا أوسع للتأويل.

 

    فتحقق الشعرية حاضر من خلال بروز نسبة معينة من الغموض الفني الذي يضلل المعنى ويخفيه بطريقة فنية تشوق القارئ، كما أن أساس اللغة الشعرية هو المراوغة والتعتيم .

ويربط الجرجاني الغموض الذي يحقق الشعرية بالمعاني الخفية التي تخرج عن طريق الصور المختلفة، " إنهم يقولون في واحد أنه أخد المعنى فظهر أخذه، وفي آخر أنه أخذ المعنى فأخفى أخذه، ولو كان المعنى يكون معادا على صورته وهيأته، وكان الآخذ له من صاحبه لا يصنع شيئا غير أن يبدل لفظا مكان لفظ، لكان الإخفاء فيه محالا، لأن اللفظ لا يخفي المعنى، وإنما يخفيه إخراجه في صورة غير التي كان عليها"[8]13

الغموض عند الجرجاني هو إخراج المعاني في صور جديدة، وبأساليب فنية جديدة تعكس قدرة المبدع الفنية، وتمكنه من التحكم في اللغة واستغلال إمكاناتها، والغموض خاصية جمالية تستحضر المتلقي وتشركه في العملية الإبداعية.


المراجع


[1]  هنري ميشونيك، راهن الشعرية ، ترجمة عبد الرحيم حزل. منشورات الإختلاف ، ط 2 ، الجزائر 2003 . ص 22

[2]  جاكبسون، قضايا الشعرية، ترجمة محمد الولي ، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط 1 1988 ، ص 56 .

[3]  محمد العمري، البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول، افريقيا الشرق، 2012 ، ط 2 ص 204

[4]  عبد القاهر الجرجاني دلائل الإعجاز في علم المعاني. تح عبد الحميد هنداوي دار الكتب العلمية - بيروت ط 1 ، 2001ص 168 .

[5]  دلائل الإعجاز ص 173 .

[6]  عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة. قرأه وعلق عليه: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني بالقاهرة، ص 130 .

[7]  أسرار البلاغة ص 263

[8]  دلائل الإعجاز ص 331

تعليقات

المحتويات