قام الفكر اللساني الحديث على مجموعة من المبادئ أهمها النظر إلى اللغة بوصفها نظاما من العلامات، حيث لا يمكن لهذه العلامات أن تكسب قيمتها إلا من خلال هذا النظام الذي تكون فيه هوية كل عنصر متعلقة بالعناصر الأخرى. ولكن سرعان ما أدرك فردناند دوسوسير أن العلامة التي توقف عندها بالدراسة والتدقيق لا تمثل إلا مظهرا واحدا من مظاهر التواصل الإنساني، ولذا كان لابد من التنويه بضرورة نشأة علم جديد يدرس حياة العلامات في المؤسسة الاجتماعية، وقد أطلق عليه مصطلح السيميولوجيا، وقد ساقت هذه الإشارة العلمية فيما بعد جهودا كثيرة اتسمت بتعدد التوجهات والتصورات حول العلامة.
العلامة
العلامة عند
دوسوسير هي وحدة ثنائية المبنى تتكون من دال ومدلول، فالدال هو الصورة السمعية
والمدلول هو الصورة الذهنية، وتجمعهما علاقة اعتباطية. أما شارل ساندرس بورس يرى أن العلامة ثلاثية المبنى تتكون من
ماثول وموضوع ومؤول ، ودرس هذا الأخير كافة أنواع العلامات أما أمبرتو إيكو فيرى
أن العلامة هي جزء داخل سيرورة تواصلية.
يرتبط المعنى بوجود العلامات ارتباطا وثيقا،
فالعلامة سبيل لإنتاج الدلالات وتداولها، وكذا استهلاكها ومن هذه الزاوية يجب
التعامل مع العلامة في ارتباطها بالممارسة الإنسانية. إن فعل إنتاج الدلالة ليس
معطى جاهزا يوجد في الأشياء خارج الفعل الإنساني، وإنما تقتضي كل ظاهرة في سبيل
خوضها غمار توليد المعنى وجود مسار تدليلي يقود بعضه إلى بعض ضمن سلسلة من الإحالات
داخل هيكل العلامة ذاتها.
ينصب اهتمام السيميائيات حول فهم أسرار الدلالات،
وهذا ما يجعلها حقلا خصبا لاستثمار مناهجها وإجراءاتها في فهم أي نص مهما كان
نوعه، والسيميائيات لا تقارب موضوعا واحدا فهي تهتم بكل ما ينتمي إلى التجربة الإنسانية
شريطة أن تكون هذه الموضوعات جزءا من سيرورة الدلالة ، بل إن كل مظاهر الوجود
اليومي للإنسان تشكل موضوعا للسميائيات.
السيميوزيس: سيرورة إنتاج الدلالة.
السيميوزيس هو مصطلح سيميائي يُقصد به حركية
السيرورة المؤدية لإنشاء علامة جديدة، ويرجع الفضل في ظهور هذا المفهوم إلى بورس والذي اعتبره أساس السيميائيات ، وهو مصطلح نسخه حرفيا عن اليونانية Semiosis والذي يعني فعل
التدليل، ويرجع الفضل في رواج هذا المصطلح إلى جيرار
دولودال الذي قام بجمع وترجمة أعمال بورس إلى اللغة الفرنسية سنة 1978 تحت
عنوان Ecrit sur le signe . ولم يبقى المصطلح
رهين الساحتين الفرنسية والإنجليزية حيث نقله أمبرتو إيكو
إلى الساحة الإيطالية في كتابه Lector in fabula أي القارئ في الحكاية.
عرف بورس
السيميوزيس بأنها " السيرورة التي يشتغل من خلالها شيء ما كعلامة " فالسيميوزيس
يتعلق بالنشاط الإنساني الفكري. وإنتاج الدلالة لا يمكن تصوره أو الحديث عنه خارج
إطار المسار التدليلي، فهي سيرورة تتصل بقضايا الدلالة وكيفية إنتاجها وطرق
اشتغالها.
إن الحديث عن
المعنى عند بورس هو الحديث عن منطق اشتغال العلامة، إنه نتاج المبادلات الحاصلة
بين مكونات العلامة الثلاثة ( ماثول ، موضوع، مؤول ) وهذه المبادلات هي التي
يسميها بورس سيرورة المعنى أو السيميوزيس، ويشتغل السيميوزيس عند بورس وفق نظام
محدد فكل ركن من أركان العلامة إلا ويحيل على طرف آخر وكل معنى ينتج عن هذا
التفاعل الحاصل يحيل على معنى آخر في سيرورة مثالية حيث يصبح كل معنى يوصل إليه هو
علامة في حد ذاته.
إن العالم الذي تحيل عليه العلامة، عالم يبنى ويدمر داخل نسيج السيميوزيس (فيرون)
السيرورة الدلالية
إذا هي عملية يتم من خلالها انصهار الأبعاد الثلاثية للعلامة، واشتغالها على أنها
وحدة متكاملة تحيل على مجموعة من الدلالات ترتبط بغيرها من العلامات ضمن نسيج
النص، وهي بارتباطها هذا تحيل إلى فيض كبير من الدلالات أيضا وهي بتوالدها
وتناميها تشكل المعنى. هي سيرورة ثلاثية تقوم بتشغيل وتحريك ثلاثة عناصر : مايعمل
بوصفه علامة، وما تحيل عليه هذه العلامة، ثم الأثر الناتج عنها، أي بين ماثول
(أول)، موضوع (ثاني)، ومؤول (ثالث)، هذه العناصر هي التي تشكل أساس العلامة، فإذا
فُقد أحد هذه الأجزاء تدمر العلامة ولم تعد تملك القدرة على التمثيل ونقل المعنى،
وبتدميرها تنتهي السيرورة الدلالية.
إن العلاقة بين
هذه العناصر الثلاثة تجعل السيرورة الدلالية منفتحة على احتمالات تأويلية، هذا الانفتاح
هو المعادل الحقيقي للسيميوزيس ، وهذا ما يجعل من السيميوزيس بؤرة التوالد الدلالي
اللامتناهي. غير أنه إن كانت سيرورة السيميوزيس سيرورة تأويلية لا متناهية فعلينا
أن نفهم بأن عملية التأويل هذه ليست حرة بل هي حرية مشروطة، فالانتقال من عنصر إلى
آخر داخل السيميوزيس يعطيها بعدا توليديا في إنتاج سلسلة لا متناهية من العلامات،
فكل علامة تؤول أخرى ومن شأن أي فعل تأويلي أن يتحول بدوره إلى علامة ويولد سيرورة
سيميائية جديدة، وهو ما يجعلنا أمام مفهومي التوليد والتأويل في سيميائيات بورس.
أفرز هذا المنوال
الإجرائي تصورا للعلامة لا ينظر إليها من حيث ثبوتها وسكونها وإنما في حركية
عناصرها وعلاقاتها المولدة للدلالة باستمرار، حتى ترسخ في ذهن الفكر السيميائي أن
موضوع سيميائيات بورس ليس هو العلامة في ذاتها وإنما اشتغالها وحركيتها.
وللبحث في
السيميوزيس يجب على الباحث أن تتوفر فيه مجموعة شروط وهي:
-
التملكات اللسانية: تملك لغة النص.
-
الأهلية الموسوعية: تتمثل في الخبرات
والتجارب التي توفر للباحث خلفية معرفية.
-
القدرة المنطقية: الإجراءات الفعلية التي
يقوم بها الذهن.
-
القدرة البلاغية والتداولية: فهم الألفاظ في
محيط انتقالها وسياقها.
ختاما يمكن القول
: أنه لا وجود لعلامة في حد ذاتها من منظور بورس بل يمكن لكل شيء ولكل ظاهرة أن
يصبح علامة، والتحول لعلامة هو الدخول إلى مجال السيميوزيس، بهذا المعنى
فالسيميائيات ليست علم العلامات بل هي علم السيميوزيس.
تعليقات
إرسال تعليق
مرحبا بتعليقك