انبثق موضوع الحجاج من حقول بلاغية ومنطقية
ولسانية، وهو من أكثر المفاهيم
الحديثة تداولا . لقد كثر الحديث
اليوم عن الحجاج وأهميته ودوره الناجع والفعال في مقاربة مختلف الخطابات، ويعد
الحجاج موضوعا لافتا للانتباه كونه حاضرا سواء بصفة كلية أو جزئية أو حتى ضمنية في
مجموعة من الخطابات (فلسفية، أدبية، سياسية، أو غيرها). وعصرنا هذا هو عصر حجاج
وجدال وإقناع وتأثير بامتياز.
ولا
يعتبر البحث في الحجاج وليد العصر،
بل له امتداد في التاريخ خاصة عند العلماء
اليونان والرومان والمسلمين.
ومن
هنا يمكن الحديث عن ست مراحل رئيسية عرفها الحجاج[1] :
1- مرحلة
الإرهاص الحجاجي بظهور الجدل عند زينون، ونشأة الحجاج المغالطي عند السوفسطائيين.
2- مرحلة
الحوارية الحجاجية مع سقراط وأفلاطون.
3- مرحلة
النضج والاستواء والكمال مع أرسطو الذي وضع آليات الحجاج.
4- مرحلة
التراجع والأفول منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية إلى منتصف القرن العشرين.
5- مرحلة
الأرسطية الجديدة مع شاييم بيرلمان، وأولبريخت تيتيكا، وستيفن تولمين.
6- مرحلة
التلمذة والتعميق والتجاوز مع ميشيل مايير، وجاك فرنسيس، وأوليفييه ريبول، وروث
أموسي، وبيلمان بينوا فريدمان، ومارك أنجينو، وكريستيان بلانتان، وهنريش لوسبيرغ،
وفيليب بروطون.
تعود أهمية الحجاج
في الدراسات الحديثة إلى العودة القوية للبلاغة تحث ما يعرف بالبلاغة الجديدة.
كتاب مصنف في الحجاج، البلاغة الجديدة.
إن الرجوع الكبير للبلاغة مدين تاريخيا
لظهور كتاب مصنف في الحجاج، البلاغة الجديدة، وهو نتاج مشترك بين رجل
القانون البلجيكي شاييم بيرلمان، و الللسانية لوسي أولبريخت تيتيكا سنة 1958،
واللذان أعادا النظر في البلاغة اليونانية القديمة ، وقاما بقراءتها قراءة جديدة،
وظفا فيها ما توصلت إليه اللسانيات الحديثة، حيث يعتبر بيرلمان هو من أسس للحجاج
كمبحث قائم الذات، وأسهمت بحوثه في الكشف عن جوانب عميقة في الدرس البلاغي الحديث.
وقد
ألفا هذا الكتاب رغبة منهما في " تخليص الحجاج من التهمة اللائطة بأصل نسبه
وهو الخطابة، وهذه التهمة هي تهمة المغالطة والمناورة والتلاعب بعواطف الجمهور،
وبعقله أيضا، ودفعه إلى القبول باعتباطية الأحكام ولا معقوليتها. وعمل الباحثان من
ناحية أخرى على تخليص الحجاج من صرامة الاستدلال الذي يجعل المخاطب به في وضع
ضرورة وخضوع واستلاب "[2] . وقد
نشر هذا الكتاب في مرحلة كانت فيها البلاغة قد استقرت في صيغتها المحسناتية
الشعرية.
حاول
بيرلمان وتيتيكا في هذا الكتاب العودة إلى أصل البلاغة الحقيقي، وهو الحجاج، حيث
كانت المحسنات الجمالية والمزينات مجرد دعائم يٌبتغى من خلالها إلى بعث الإقناع ،
وليس إلى الاستمتاع الجمالي الذي لا يؤدي إلى التأثير في الآخر.
ينقسم
الكتاب إلى ثلاثة أقسام وهي:
-
أطر الحجاج: من ص 17 إلى ص 83.
-
منطلقات الحجاج: من ص 87 إلى ص
248.
-
تقنيات الحجاج: من ص 251 إلى ص
673.
البلاغة الجديدة والحجاج عند شاييم بيرلمان.
انطلقت أعمال شاييم بيرلمان المتعلقة بالبلاغة الجديدة في سبعينيات القرن الماضي، وانتشرت في فرنسا في التسعينيات، وعرفت شهرة كبيرة في العالم، وتبناها العديد من الباحثين والدارسين، وقد طبقت في مجالات عدة كالفلسفة عند ميشيل مايير، واللسانيات عند كريستيان بلانتان، و الخطاب الأدبي عند روث أموسي، والأخلاق عند جورج لوغول، وآخرون، حتى أصبحت البلاغة إمبراطورية واسعة النطاق.[3]
اهتم شايم بيرلمان بالبلاغة الجديدة، وربطها بالحجاج والإقناع، متأثرا في ذلك بأفكار أرسطو. فالبلاغة الجديدة " ليست معنية بشكل الخطاب من أجل الزخرف أو القيم الجمالية، بل من جهة كون ذلك وسيلة للإقناع وخاصة وسيلة للإبداع "[4] ومن ثم، لا يرى بيرلمان أي فرق بين البلاغة والحجاج مادام هدفهما واحد هو الإقناع والتأثير على حد سواء. وأكثر من ذلك، فالبلاغة حجاجية بامتياز. ويعني هذا أن الصور البلاغية والمحسنات البديعية ذات وظيفة حجاجية ليس إلا.
ومن ثم، فقد بنى بيرلمان البلاغة المعاصرة على أسس حجاجية ومنطقية وفلسفية محضة، متمثلا المنهج الأرسطي في التعامل مع البلاغة في ضوء رؤية حجاجية إقناعية، محاولا ردم الهوة التي تفصل البلاغة المعاصرة عن أصلها الأرسطي، وإن كانت البلاغة عند بيرلمان تطرح أكثر ما يطرحه أرسطو. وينضاف إلى هذا، أن بيرلمان قد جدد البلاغة الغربية المعاصرة في ضوء آراء أرسطو، مع إضافة تصورات حجاجية جديدة. أي: إن بيرلمان قد انطلق من أفكار أرسطو حول البلاغة شرحا وتوسيعا ومناقشة وتمطيطا. والآتي، أن بيرلمان يوجز فكرته حول البلاغة بأنها بمثابة برهنة استدلالية أو فلسفة عقلانية للتمييز بين الأفكار القيمة وغير القيمة، وفرز الحجج الصائبة من الخاطئة. علاوة على ذلك، فإن أهمية نظريته الحجاجية تكمن في تبيان طبيعة العلاقة الكائنة بين البلاغة والمخاطب.
قام بيرلمان بتوسيع موضوع البلاغة عن طريق الخروج من دوائر الأجناس الخطابية الأرسطية الثلاث: التشاورية، والاحتفالية، والقضائية. فبلاغة بيرلمان تهتم بالخطابات الموجهة إلى كل أنواع المستمعين، سواء تعلق الأمر بشخص واحد أو مجموعة من الأشخاص، أو بجمهور مجتمع في ساحة عمومية، أو تعلق باجتماع المختصين.
هذا وقد جدد بيرلمان وتيتيكا آراء أرسطو حينما حاولا أن يعيدا إليها طابعها الفلسفي الحقيقي، لأن البلاغة الأرسطية تحصر البلاغة في الإقناع، فتعدها خطابا حجاجيا بامتياز. وقد استبعدا تصورات أفلاطون والسوفسطائيين لأنها تقوم على الجدل، والسفسطة، والتشكيك، والمنهج المغالطي، والمناورة الواهمة، واعتماد المثل العليا المطلقة. ويعني هذا أن البلاغة في طابعها العام مرتبطة بالمقصدية الحجاجية، وغالبا ما ترتبط الحجاجية بالسلطة والإيديولوجيا والامتيازات الاجتماعية. وأكثر من هذا، فقد ارتبطت البلاغة عند أرسطو بالحجاج والخطاب الإقناعي. وهذا الاقتران والترادف نجده أيضا لدى بيرلمان وتيتيكا.[5]
ينظر بيرلمان إلى الحجاج من
وجهة بلاغية، مركز ا على المخاطب واللغة التي يستخدمها المتكلم لإقناع المتلقي
نحويا ومعجميا، بغية الوصول إلى الحقيقية عبر البرهنة والاستدلال، سواء اقتنع بذلك
المتلقي أم لم يقتنع. ومن ثم، تسعى البلاغة الحجاجية عند بيرلمان إلى استكشاف
آليات الحجاج عبر التوقف عند الدعوى والأفكار المعارضة، واستخدام الأدلة والبراهين
والحجج، والإشارة إلى الأفكار المشتركة التي يتفق فيها المرسل والخطيب، واستحضار
الخطاطات الحجاجية، واستعراض عمليات الاستنباط والاستقراء وخطوات الإقناع والتأثير
على حد سواء.
مفهوم
الحجاج وغايته عند شاييم بيرلمان
يعرف شاييم بيرلمان موضوع الحجاج على أنه "درس تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات، وأن تزيد في درجة ذلك التسليم"[6]
أما غاية الحجاج فيقول عنها " جعل العقول تذعن لما يطرح عليها من آراء، أو يزيد في درجة ذلك الإذعان، فأنجح الحجاج ما وفق في جعل حدة الإذعان تقوى درجتها لدى السامعين بشكل يبعثهم على العمل المطلوب ( إنجازه أو الإمساك عنه)، أو هو ما وٌفق على الأقل في جعل السامعين مهيئين للقيام بذلك العمل في اللحظة المناسبة"[7]
يقرن
بيرلمان الحجاج بالإقناع و الذي هو غاية العملية الحجاجية، ويتجلى ذلك من خلال
الأثر الذي يتركه ملفوظ المتكلم في المتلقي، فيدفعه إلى الإقدام أو الإحجام،
فالإقناع يكمن في ردة فعل المتلقي تجاه ما يقوله المتكلم.
فالخطاب الحجاجي عند بيرلمان يقوم أساسا على منتجي هذا الخطاب ومدى قدرتهم على بناء نص حجاجي من خلال توظيف الآليات الحجاجية المختلفة، فهو ذو طابع جدلي، يتجسد بين الملقي والمتلقي وفق تقنيات معينة، يحاول بواسطتها كل منهما إقناع الآخر بحجج منطقية وعقلانية.
وبناء عليه ف"الحجاج عبارة عن آليات وأساليب ، وروابط لغوية، ومنطقية جدلية، وفكرية، وتداولية، وخطابية، توظف أثناء إنتاج الملفوظ النصي أو الخطابي، شفويا كان أم كتابيا، بغية التأثير والإقناع والاقتناع، والحوار، ويعني هذا أن الحجاج مرتبط بالمتكلم والمخاطب والمقصدية، والاستلزام الحواري."[8]
فغاية الحجاج إذا هو تحقيق الإقناع أو التأثير،
وهو السعي إلى تغيير السلوك، والاعتقادات، والآراء، أو على الأقل تعديلها، أو ترسيخ
قيم وأفكار جديدة للوصول إلى نتيجة يتحقق بها الاقتناع و التأثر بمضمون الخطاب.
فالإقناع والحجاج إذا هما وجهان لعملة واحدة، والحجاج البيرلماني مرتبط دائما ب
الفعل التأثيري أو تحقيق الاقتناع، فالحجاج "بحث من أجل ترجيح خيار من بين
خيارات قائمة وممكنة، بهدف دفع فاعلين معينين في مقام خاص، إلى القيام بأعمال إزاء
الوضع الذي كان سائدا"[9]
ومن ثم
فالحجاج فعالية تداولية جدلية ديناميكية فعالة، تستلزم وجود أطراف تواصلية بينها
قواسم حجاجية مشتركة، إذ يمتلك المرسل
الخطيب مؤهلات معرفية وأخلاقية كفائية، ويستعمل في حجاجه اللوغوس الاستدلالي بغية
اقناع الآخر، ولو باستعمال خطاب الأهواء والانفعالات. ولا يعتمد الحجاج عند
بيرلمان على العنف والتضليل أو التوهيم، بل غرضه هو بناء الحقيقة عن طريق الحوار
البناء والاستدلال.[10]
مكونات وملامح الحجاج عند "شاييم بيرلمان "
مكونات الحجاج:
يتأسس الحجاج على عدة تصورات ومقدمات، والتي
ينسخ منها المحاجج خططه البرهانية، ويرى "بيرلمان" أن مقدمات الحجاج هي
التي تفتح بوابة الحجاج وهي:
1. الوقائع les faits : يقصد بالوقائع ما يرتبط
بالواقع المعاش و أحداثه لتكون الوقائع منطلق لبناء الحجاج، وقد تكون وقائع حسية
أو مادية، أو مفترضة، وغالبا ما ترتبط هذه الوقائع بالمرجع المادي الحسي؛ الذي
يتحول إلى مصدر للدلالة و الحجج الذاتية أو الموضوعية، فالوقائع هي نقطة البداية "فهي
تمثل ما هو مشترك بين عدة أشخاص أو بين جميع الناس ... والتسليم بالواقعة من قبل
الفرد ليس إلا تجاوبا منه مع ما يفرض نفسه على جميع الخلق، إذ الواقع يقتضي إجماعا
كونيا."[11]
2. الحقائق: "هي أكثر أهمية
وتعقيد وتجريدا من الوقائع، وتتعلق بالتصورات والنظريات العلمية والمفاهيم الأدبية
و الفلسفية الصادقة واليقينية وهي معطيات شبه منطقية وصورية، من هنا يربط الخطيب
مجموعة من المواضع و الحقائق من أجل الاستدلال على صحة نظرية ما من أجل جعل
المخاطب يقتنع بما يصله من حجج متنوعة ومختلفة."[12]
فالمحاجج يعتمد بصفة عامة على الحقائق التي تأسست في
الغالب على مفاهيم فلسفية وعلمية ودينية للربط بينها وبين الواقع ليكون لحجاجه
بداية قوية مؤثرة ومقنعة.
3. الافتراضات: " إن
الافتراضات ليست ثابتة بل هي متغيرة تبعا للوسط وللمقام والمتكلم والسامعين "[13]
فالافتراض مرتبط بالاحتمال وليس اليقين؛ فهو يحتاج إلى
استدلال ومحاججة سليمة من خلفية منطقية.
4. القيم les valeurs: تعد القيم بنية أساسية
من بنيات الحجاج، فالقيم هي مجموع الفضائل و السلوكات والأخلاق،
والسعادة، والحب.
القيم نوعان:
مجردة: مثل العدالة والشجاعة، الخير والجمال.
محسوسة: من قبيل الوطن و أماكن العبادة.
تخضع منظومة القيم إلى تراتبية هرمية مختلفة الدرجات "فالقيم
المجردة أفضل من القيم المحسوسة، والقيم النظرية أفضل من القيم التطبيقية، ويبقى
الهدف من هذا التفاوت هو الرفع من درجة القيم من أجل أن يقتنع المخاطبون بما يقدم
إليهم من أفكار."[14]
5. المواضع les lieus: وهي مخازن الحجاج و
الموضوعات التي ينبني عليها الحجاج." وتنقسم المواضع إلى أقسام فتم مواضع الكم lieux de quantité ومواضع الكيف lieux de qualité ، الأولى نستطيع بواسطتها أن نتبين
أن أمرا أفضل من آخر انطلاقا من معايير
كمية، أما الثانية فتكمن خاصيتها الحجاجية في وحدتها الشكلية في مواجهة الجمع مثل
موضع "الحق" في ذاته الذي يباين كل من عداه من باطل."[15]
تنقسم هذه التصورات حسب بيرلمان إلى ضربين أحدهما مداره
على الواقع وما يشمله من وقائع وحقائق، والآخر مداره على المفضل المتعلق بالقيم
ومراتبها وبالمواضع.
ملامح وسمات الحجاج عند شاييم بيرلمان
يذهب بيرلمان
إلى أن الحجاج يتميز بخمس سمات وملامح أساسية:
v أن يتوجه إلى مستمع.
v أن يعبر عنه بلغة طبيعية.
v مقدماته محتملة/ مسلماته احتمالية.
v يتعلق تدرجه بالخطيب.
v نتائجه تقبل النقاش دائما.
1. السامع: فنحن نحاجج
دائما أمام شخص، وقد يكون فردا أو جماعة هذا المستمع يكون مختلف على مستوى
الكفاءات والاعتقادات والعواطف، ووجهة النظر، فبيرلمان عظم الثالوث الأرسطي الذي
يوجه الخطاب إلى مقامات (القضائية، الاستشارية، الاحتفالية)، حيث إن خطابة بيرلمان
هي موجهة إلى كل أنواع المستمعين.
2. أن يعبر عنه بلغة طبيعية:
يقصد بلغة طبيعية، البعد عن الغموض والإبهام، و أن تكون اللغة طبيعية بمعنى واضحة
وسلسة، أو دارجة وليست لغة الجبر والكيمياء.
3.مقدمات محتملة: " إن المحتمل ليس مرتبطا
بالسامع، وليس يتعلق بالجهل، أو بانعدام الكفاءة، أو بأفكار السامع المسبقة، بل
بالموضوع نفسه، فعندما يتعلق الأمر بمسائل قضائية، واقتصادية وسياسية، وتربوية،
وربما مسائل أخلاقية وفلسفية، فإننا لسنا نتعامل مع الصادق أو الكاذب، بل مع
الأكثر أو الأقل احتمالا"[16]
ومنه نستنتج أنه إذا كان
الموضوع يقينيا وعلميا فهو لا يخضع للمحتمل، ولن تكون المحاجة ممكنة، لكون الحجاج
يرتكز على المحتمل.
4.تدرج يتعلق بالخطيب: فإذ كانت المقدمات محتملة فإن
تدرج الحجاج ليس هو تدرج البرهان؛ فالبراهين تكون متوالية إلى نتيجة نهائية نفسها،
أي في صورة خطية
أما تنظيم الحجج فهو حر
نسبيا، يتحكم فيه الخطيب
5.نتائج قابلة للنقاش دائما: بمعنى آخر نتائج الحجاج ليست ملزمة؛ فالحجاج ينبني على الجدل وتضارب الأفكار في إطار حوار بناء يؤدي في نهاية المطاف إلى اقتناع أحد الأطراف بما سلم إليه، بصيغة أخرى فالخطاب الحجاجي تكون نتائجه عرضة لنقاش وجدل يوصل في النهاية إلى الإقناع والاقتناع وأحيانا الإمتاع.
تقنيات الحجاج عند شاييم بيرلمان
بعد أن أكد بيرلمان على وظيفة الحجاج وغايته
المتمثلة في تحقيق إقناع المتلقي عقلا وعملا، علق نجاح العملية الحجاجية ونجاعتها
على ما أسماه التقنيات الحجاجية والتي حصرها في نوعين:
نوع يقوم على طرائق الوصل Procédés de laisons : ويقصد بها الآليات التي تقرب بين العناصر المتباينة، وتمكن من إقامة روابط علائقية بينها، كي يكون دمجها في بنية حجاجية متماسكة وموحدة.
أما النوع الثاني فيقوم على طرائق الفصل Procédés de dissociation : وهي عبارة عن التقنيات التي تستخدم بهدف تفكيك اللحمة الموجودة بين عناصر تشكل كلا لا يتجزأ، وغالبا ما تستخدم هذه التقنيات في تفكيك الأبنية الحجاجية التي نجاح حجاجه منها.
وتنقسم الحجج الواصلة إلى ثلاثة أقسام:
1- الحجج
شبه المنطقية: هي حجج تشبه الطرائق الشكلية المنطقية والرياضية في البرهنة
والاستدلال ، وليست هذه الحجج حججا منطقية طبيعية صرفة، بل فقط تشبهها. وتنقسم
بدورها إلى قسمين
الحجج
شبه المنطقية التي تعتمد البنى المنطقية: وتتمثل في مجموعة من الحجج
ذات الطابع المنطقي ك:
-
حجج التناقض والتعارض
-
حجج التعريف
-
حجج التماثل والمطابقة الكلية
-
حجج التحليل
-
حجج التحصيل
الحجج
شبه المنطقية التي تعتمد العلاقات الرياضية:
-
إدماج الجزء في الكل
-
تقسيم الكل إلى الأجزاء المكونة له
-
الحجج القائمة على الاحتمال
والافتراض
-
حجة المقارنة
-
حجة التضمن
2
الحجج المؤسسة على بنية الواقع: الحجج المبنية على الخبرة الميدانية والتجربة
الواقعية، أو الأحداث والوقائع الحية
-
الحجة السببية
-
الحجة الغائية
-
حجة التعاقب
-
حجة التبديد
3 الحجج المؤسسة لبنية الواقع: هي حجج لا تنبني على الواقع، بل تتصل به بشكل من الاشكال فهي تؤسس هذ الواقع وتبنيه، أو على الأقل تكمله وتظهر ما خفي من علاقات بين أشيائه.وهي تقوم عل ترابطات قابلة للملاحظة كالشاهد والمثل والتمثيل والكناية والاستعارة.
خاتـــــــــــمة
يعد كتاب مصنف في الحجاج من أهم الكتب التي تحدثت عن بلاغة الحجاج، وفق مقاربة صورية تعنى بمقدمات الحجاج وتقنياته وآلياته التوصيفية. والحجاج هو فعل لغوي غايته حمل المتلقي على الإذعان والسعي إلى إقناعه بشتى الآليات المختلفة حسب المقام.
كما أن
شاييم بيرلمان يعتبر رائد البلاغة الجديدة، بلاغة قامت على الحجاج الحواري ،
بالانتقال من التأثير والإقناع والاقتناع. واهتمت بالمتلقي المختلف و المتنوع .
حيث أخرج بيرلمان المفاهيم التداولية الحجاجية من صلب البلاغة القديمة التقليدية،
وأكسبها طاقة حجاجية ، يسعى المحاجج إلى توظيفها في خطاباته المتنوعة قصد تحقيق
عملية الإقناع.
[1] حجاج الاقتناع عند شاييم
بيرلمان، جميل حمداوي. ط1، 2018 ص5
[2] نظرية في الحجاج، دراسات
وتطبيقات، عبد الله صولة. دار مسكيلياني للنشر، تونس الطبعة1، 2011، ص11.
[3] حجاج الاقتناع عند شاييم بيرلمان، جميل حمداوي.
ص10
[4] التداولية والحجاج، مداخل ونصوص، صابر حباشة.
صفحات للدراسات والنشر، دمشق، الإصدار الأول 2008ن ص 16.
[5] من الحجاج إلى البلاغة الجديدة، جميل حمداوي.
أفريقيا الشرق المغرب، 2014، ص 29.
[6] حجاج الاقتناع عند شاييم
بيرلمان، جميل حمداوي. ط1، 2018 ص11 عن Chaim perelman et tyteca, Traité de l’argumentation ,
p 5.
[9] مفهوم الحجاج عند بيرلمان وتطوره في البلاغة
المعاصرة، محمد سالم ولد محمد الأمين. مجلة فكر ونقد: الكويت، المجلد 28، ع 3
يناير- مارس، 2000، ص 57.
[10] من الحجاج إلى البلاغة الجديدة، جميل حمداوي.
ص28.
الحجاج
في البلاغة المعاصرة، محمد سالم محمد الأمين الطلبة، الطبعة الأولى، دار الكتاب
الجديد 2008، ص. 111، عن traité de
l’argumentation , p 89.[11]
[12] حجاج الإقناع
عند شاييم بيرلمان، جميل حمداوي، ص:
41-42.
[13] الحجاج في البلاغة المعاصرة، محمد سالم الأمين الطلبة، ص. 112.
[16] مدخل إلى الخطابة، أوليفي روبول، ترجمة رضوان العصبة، أفريقيا
الشرق 2017، ص. 123.
موضوع قيم
ردحذف